محمد بغدادي

من الكتاب الذهبي مؤسسة روز اليوسف عدد خاص تذكاري

مالحة فى فمنا القصائد..

مالحة ضفائر النساء..

 

فى بداية الستينيات دخل بيتنا ديوان صغير بحجم الكف.. ذو غلاف لامع.. تتوسط مساحته السوداء الداكنة.. مستطيلات صغيرة غير منتظمة ذات ألوان زاهية متراصة فى تكوين فنى بسيط.. وفى أعلى الكتاب كلمة واحدة "قصائد".. وأسفل الغلاف كتب بخط اليد فيما يشبه التوقيع "نزار قباني".. كان هذا الديوان اشتراه أخى الأكبر- بعد فترة ادخار طويلة- بثلاثة جنيهات كاملة.. وما أن دخل هذا الديوان بيتنا حتى صار أحد مقتنياتنا العائلية الثمينة.. كنت فى المرحلة الثانوية- أيامها- حين بدأت رحلة البحث عن باقى دواوينه السابقة.. إذ كانت قصائده الجديدة جعلتني أتساءل:

لماذا يفرضون علينا فى المدارس أشعار" الصلتان العبدي" و"ابي صخر الهزلى" و"المهلهل بن أبى ربيعة".. ولدينا كل هذه القصائد الرائعة؟!.. وكان قد دخلت بيتنا قبل هذا الديوان.. دواوين كثيرة هامة لشعراء آخرين.. فقد سبقه لمنزلنا صلاح عبد الصبور بديوانيه "الناس فى بلادى، وأقول لكم ".. وسبقه أحمد عبد المعطى حجازى بديوانه "مدينة بلاقلب ".. وسبقه جبران خليل جبران..  "رمل وزبد،.. و"حديقة النبى".. وسبقه محمود أبو الوفا  "عنوان النسيد".. وكثيرون غيرهم.. وكانت " شوقيات " أحمد شوقى تحتل ركنا كبيرا فى (رفوف) المكتبة.. وكنت قد قرأت كل هذه الدواوين التى كان يحضرها أخى.. وكان يكتب شعرا جميلا بالفصحى.. وكنت أحاول أن أسجل تجاربى الأولى فى شعر العامية.. ورغم عمق وأصالة كل هؤلاء الشعراء ورؤاهم الشعرية الجديدة.. إلا أن هذا الديوان- قصائد- كان مختلفا وكأنه كتب لكى يحفظ أويغنى.. فقرأته مرة.. وفى الثانية كنت قد حفظت معظم قصائده دون أن أدرى.. واعتبرته يومها أنه شاعر من شعراء العامية ضل طريقه للفصحى فأقام فى منطقة وسطى بين العامية والفصحى !!.

          وأصبح نزارقبانى من وجهة نظرنا- نحن مثقفى- هذا الجيل مجرد شاعرماجن يكتب عن "الحب والنساء" فقط ومرت السنوات.. واستيقظنا ذات مساء على المشهد الدرامى الحزين لسقوط أمة بأكملها وربما عصربأكمله بين أنياب النكسة.. بمرارتها القاتلة وأظافرها الشرسة.. وبعدها توالت الاحداث ولم نجد أمامنا متسعا من الوقت لكى نرسل رسائلنا التى سطرناها على ورق معطر و زيناها بقصائد العشق والغزل التى سرقناها من دواوين نزار قباني سرا لنرسلها إلى البنات اللاتى أحببناهن.

ألقينا رسائلنا فى سلة الذكريات فقد كنا فى حاجة للبكاء على حلمنا إلضائع.. فامتنعنا عن قراءة نزارسرا وجهرأ.

واعتبرنا- يومها- أنه من قبيل الخيانة للوطن أن نعود لنقرأ نزارأو نستمتع به.. فلم يكن أمامنا إلا أن نثور ونتمرد وتحتقن أصواتنا بالهتاف ضد من باعونا أو خدعونا.. وأسلموا حلمنا الجميل إلى الأيادى المعادية لتخنق الحلم وتمثل بجثته أمام أعيننا.. فخرجنا غاضبين فى مظاهرات 68 نطالب بمزيد من الحزم فى محاكمة جنرالات النكسة الذين ضيعونا بلحظة.

وكما أثار نزار حوله العديد من ا لمعارك عندما كتب أشعاره عن الحلمات والنساء.. أثار أيضأ أضعاف هذه المعارك عندما كتب كراسته الصغيرة "هوامش على دفتر النكسة" وانقسم الناس ما بين قراء ونقاد ومفكرين إلى مؤيد ومعارض لقصيدة نزار الجديدة.

فقد صدرت "الهوامش " بعد الهزيمة بأقل من شهرين تنكىء الجرح وتضرب على الوتر المشدود فلقيت رواجا مذهلا سواء من المعارضين أو المؤيدين. إذ كانت القصيدة لحنا جنائزيا يستهوى الأفئدة. واعتبر معظم النقاد المعارضين للقصيدة أن "الهوامش " موجة من موجات شعر"التشفي" التى انتشرت فى أعقاب النكسة والتى يعد نزار قبانى أبرز وجوهها فكتب د. غالى شكرى يقول:

"كيف يتحول كاتب الهوامش بين غمضة عين وانتباهتها من شاعر الحب والحنين إلى شاعر يكتب بالسكين (!!).. فأغلب الظن أن سكينه أخطأت مكان القلب من العدو الرابض فوق أرضنا إلى شغاف القلب من الإنسان العربى المهزوم، ولا تنطلى علينا هذه الخدعة البراقة التى يصدر بها نزار قصيدته لتبدو وكأنها نقد ذاتى لعقل هذه الأمة ووجدانها بينما هى فى واقع الأمر نوع من السادية التى يتلذذ فيها صاحبها مع لذاذاته السابقات فى شعره الجنسى، فالنرجسية هناك تقابلها السادية هنا".. ويواصل د. غالى شكرى هجومه على نزار.. حتى يقول متهكما:

".. وأصبح  شاعرنا نجما لامعا يتفوق على النجم الذى كانه فى القديم.. واستمرأ اللعبة على نحو مختلف وواصل كتابة قصائده السياسية على نمط الهوامش ".

وأيا كان موقف المعارضين والمؤيدين لقصيدة نزار. فان الموقف كان مختلفا تماما بالنسبة لأبناء  جيلنا.. فقد كان الكبار يحاسبون أنفسهم ويصفون حساباتهم القديمة فيما بينهم.. وينصبون المحاكم والمشانق لبعضهم البعض.. أما نحن أبناء الهزيمة.. فقد استقبلنا القصيدة بمنظور مغاير. فقد كانت مظاهرات 68 لم تشف غليلنا و اعتصامات  الطلبة لم ترو عطشنا للقصاص من قادة الهزيمة.. وخاصة أن الأحداث انتهت باعتقال ثلاثين طالبا من قيادات الطلبة الغاضبين فجاءت القصيدة تحك الجرح وتشير بحروف مسنونة كالحراب إلى أوجاعنا، وتجلد الذات والأمة العربية التى ترهل جسدها، تهاوت فجأة  بجوار حلمها الضائع تبكى خيبة أملها.

جاءت "الهوامش "- آنذاك- ونحن بعد صغار ساخطون ومتمردون على كل شئ  فتلقفناها كالعطشى نروى بها ظمأ السنين والحرمان من المشاركة الفعلية فى الحياة السياسية.

وأول ما قرأت هذه العبارة:

"مالحة فى فمنا القصائد

مالحة ضفائر النساء

والليل والأستار والمقاعد

مالحة أمامنا الأشياء.. "

أحسست لحظتها أنه يتكلم بلسانى ولسان جميع أبناء جيلى رغم تحذيرات زعمائنا

والمثقفين الذين نهونا عن تعاطى أشعار نزار قبانى..

وفجأة تحول "بستان الاشتراكية" إلى أرض البوار.. والتماثيل الرخام التى حلمنا بها- يوما- على الترعة والأوبرا.. تحولت إلى بلهارسيا.. ونواد ليلية وكازينوهات  على ذات النيل.. أما الأوبرا فقد احترقت بعد قليل وأقيم بدلا منها (جراج) للسيارات متعدد الطوابق!!.

فماذا يكتب أى شاعر بعد أن أسدل الستار على هذا المشهد الدرامى الكئيب؟!

كان كل ما تبقى فى القلب غيظ مكتوم.. وأحزان ثقيلة مبهمة.

ووسط هذا الإحباط العام.. تسربت إلى أيدينا أوراق تداولناها   فيما بيننا بغموض وسرية.. كانت قادمة إلينا من بيروت، وكانت تلك الأوراق هى قصيدة نزار قبانى الشهيرة:

"هوامش على دفترالنكسة . "

مهما اختلفنا أو اتفقنا مع الرجل.. فقد كانت بالفعل كل الأشياء مالحة.. وفى مرارة العلقم فى حلوقنا.. وكنا قد فقدنا براءتنا ولهونا.. وحملنا السلاح ولم يمض على امتلاكنا لبطاقاتنا الشخصية الجديدة سوى أيام قليلة.. وكانت القصيدة إعلانا عن مقاطعة نزار للنساء.. فتبعنا خطاه.. وكنا كلما التقينا بفتياتنا نعلن لهن:

لا وقت للحب..

فمالحة فى فمنا القصائد.. مالحة ضفائر النساء..

وتحولت مقاطع عديدة من قصيدة "الهوامش " إلى شعارات نرددها.. فقد صدقنا نزارعندما قال:

ياوطنى الحزين.. حولتنى بلحظة

من شاعر يكتب شعر الحب والحنين

لشاعر يكتب بالسكين

فقد أحسسنا أن الشاعر قد راجع ذاته وأخذ يجلدها بنفسه.. وأنه نزع  قمصانه المزركشة التى يغوى بها النساء وارتدى سترته العسكرية ونزل معنا لساحة القتال. لقد صدقناه.. رغم آراء المعارضين.. لأننا كنا بحاجة لأن نصدق أحدا.. أى أحد.. لأننا فقدنا ثقتنا بكل شئ.. وإن كنت لا أدرى لماذا اعتبرت جماعة المثقفين- آنذاك- أن قصيدة نزار من شعر التشفى.. والسادية، رغم أن صديقنا الشاعر أحمد فؤاد نجم.. أول من تشفى وجلد الذات ونقد الهزيمة بلسان لاذع  واعتبرته جماعة المثقفين- يومها- بطلا قوميا حين قال:

الحمد لله خبطنا تحت بطاتنا

يامحلا رجعة ظباطنا

من خط النار

لاتقوللى سينا.. ولاسيناشى.. ماتخوتناشى

ياستميت أتوبيس ماشى

إيه يعنى فى العقبة جرينا ولافى سينا

هى الهزيمة تنسينا

إننا أحرار (!!)

لذا لم نعتبر نحن أبناء هذا الجيل أن "الهوامش " خدعة جديدة من نزار قبانى ليسرق من غيره الأضواء.. ليصير أكثر نجومية.. فقد لاقت القصيدة كثيرا من القبول لدينا وطوعناها وفقا لرؤانا للأوضاع المتردية من حولنا.

فعلى سبيل المثال.. أصبحنا نردد مقاطع ساخنة من "الهوامش " كلما اصطدمنا بسلبيات الواقع، ففى مواجهة البيروقراطية.. والتخلف نورد من "الهوامش ":

خلاصة القضية.. توجز فى عبارة

لقد لبسنا قشرة الحضارة.. والروح جاهلية..

ما دخل اليهود من حدودنا

وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا

وظلت "هوامش على دفتر النكسة" تعيش بيننا لفترة طويلة.. نصورها.. ونتبادلها.. ونهـديها لصديقاتنا وأصدقائنا.. وندونها فى كراسات محاضراتنا.. ونستدعى مقاطعها الملائمة وقت الحاجة.. فقد أصبحت لسان حال سخطنا على كل سلبيات ونواقص الوطن. فعندما قبض على زملائنا الطلبة فى المظاهرات عام 68.. أصبح المقطع رقم (17).. واحدا من أهم أغانينا السرية.. نردده أينما كنا:  إذ يقول نزار فى هذا المقطع:

لوأحد يمنحنى الأمان..

لوكنت أستطيع أن أقابل السلطان

لقلت له ياسيدى السلطان

كلابك ا لمفترسات مزقت ردائى

وجنودك دائما ورائى

عيونهم ورائى.. وأنوفهم ورائى

أقدامهم ورائى.. كالقدرا لمحتوم كالقضاء يستجوبون زوجتى.. ويكتبون عندهم أسماء أصدقائى ياحضرة السلطان..

لأننى اقتربت من أسوارك الصمائى

ضربت بالحذاء..

وأركمنى جندك أن آكل من خرائى.

إلى هذا الحد جاءت (الهوامش ) لتلبى احتياجات سياسية لأبناء جيلنا.. واستخدمناها كشعارات.. وعناوين عريضة لخطابنا السياسى بعد قليل.. ففى مظاهرات عام 1972.. كان ضمن مطالب الطلاب التى رفعوها لمجلس الشعب "مقابلة الرئيس السادات ".. ومقابلة "رئيس مجلس الشعب ".. ومقابلة " محمد حسنين هيكل " وزير الإعلام- آنذاك-.. وربما كا نت عبارة نزار، لو كنت أستطيع أدن أقابل السلطان،.. هى التى دفعتنا- آنذاك- لأن نضع ضمن مطالبنا لقاء رئيس الجمهورية.. توالت بعد ذلك قصائد نزار السياسية.. وتفرغ لمهاجمة التخلف والكذب والخداع وبنفس الطريقة.. ونفس السياق الشعرى.. وبسادية المتهكم.. وجلد الذات.. وتعرية العورات العربية.. وكشف ا لمستور. ومهاجمة الأنظمة العربية بشكل (اجمالي)

ومباشر ولاذع..

وبعد أن كان نزار يقول عن نفسه أنه:

".... مسئولا عن المرأة حتى الموت "

 و "أننى حارس ليلى على باب المرأة! "

نجده يصرح فى لقاء لجريدة الشرق الأوسط.. وكأنه يستغيث ويتبرأ من كل التهم التى ألصقت به فيقول:

أهل من الممكن، إكراما لكل الأنبياء، أن تخرجوني من هذه القارورة الضيقة، التى وضعتنى فيها الصحافة العربية، أى قارورة الحب والمرأة أ

وكأنه يسعى للتطهر من سنوات المجون والمراهقة.

..

وبعد رحيل نزار. كلفنى رئيس مجلس الإدارة الأستاذ محمد عبد المنعم.. باعداد كتاب تذكارى عن نزار قبانى.. يصدر ضمن سلسلة الكتاب الذهبى.. فبدأت أبحث عن نزار قبانى من جديد.. ووضعته كله أمامى.. بعقل اليوم.. وبوعى مختلف ومغاير لسنوات الستينيات.. فوجدت أن الأمر قد اختلف.. وأن موقفنا من نزار قبانى.. كان فيه قدر كبير من التعالى والتعسف.. والأحكام القاطعة، فشاعر بقامة نزار قبانى له كل هذه الشعبية.. وله هذا الرصيد الهائل من العشاق والمريدين.. فى وطن بمثل هذا الاتساع والاختلاف.. ليس بالأمر السهل ولا البسيط.. وليس من قبيل الصدفة أو الحظ السعيد.. أن يحتفظ شاعر بهذا القدر من الاحتفاء الجماهيرى.. طوال هذه السنين فلا يستطيع أى شاعر مهما كان بارعا فى الاحتيال.. أن يخدع أمة بأكملها طوال خمسين عاما من الشعر. لذا فالأمر مختلف ويحتاج إلى إعادة النظر بعين أكثر حيادا وموضوعية. وفى مسار البحث عن الجذور. وجدت أن نزار قبانى شاعر ثائر منذ أن أمسك القلم وخط بيده أول كلمات الشعر. بغض النظر عن مفهومنا للثورة وللـ (ثورجى) إن جاز التعبير.. ولكنه ثائر بمعنى أوباخر. وإن كان بمنظور مختلف عن المعنى التقليدي للثائر (المناضل).. فنزار ثائر بمعنى أنه كان قادرا، ومنذ وقت مبكر جدأ على كسر الأطر التقليدية للشعر.. رغم أنه فى النهاية شاعر تقليدى.. ولكنه كان متحررا من كل القيود  الملزمة لاى  شاعر فى الأربعينيات.. وقت أن أصدر ديوانه الأول " قالت لى السمراء ".. فقد دافع عن المرأة، وعن كافة حقوقها رغم اقتحامه السافر لحياتها الخاصة.. ورغم امتهانه لها فى كثير من قصائده.. ورغم أنه تجرأ عليها.. ونزع عنها ملابسها قطعة قطعة فى عدد هائل من قصائده.. وحاول فى قصائد عديدة أن يضاجع نساءه أمام قرائه.. وضبط متلبسا فى أكثر من ركن من أركان دواوينه، وهو يداعب نهود المرأة العربية مداعبات جارحة.. ورغم كل هذا المجون.. فهو شاعر تحريضى.. ليس بمعنى أنه يحرض النساء على الرذيلة.. ولكنه يحرض النساء على الخروج من عباءة التقاليد، وكسر حواجز التخلف، إنه أراد أن يطلق العنان لنسائه، فأناب عن كل نساء العرب فى التعبير عن مشاعرهن المكبوتة منذ آلاف السنين.. ولأنه رجل عرف الحرية أقام علاقة متحضرة مع المرأة.. فأراد لها حريات واسعة  بقدرما يستمتع هو بحرياته الواسعة.. وأراد للمرأة أن تنتزع حريتها من مجتمع متخلف.. عامر بالرجال المتخلفين فى علاقتهم بالمرأة على وجه الخصوص.

ويبدوأن حادثة أخته الكبرى (وصال) التى انتحرت لأنها لم تتزوج بمن تحب، وهو صبى صغير. زرعت فى صدره منذ وقت مبكر عوامل الثورة ضد سطوة الرجل على المرأة حتى فى أخص مشاعرها.. فهو يحكى لنا فى كتابه "قصتى مع الشعر" فيقول عن أسرته: " كل أفراد الأسرة يحبون حتى الذبح.. وفى تاريخ الأسرة حادثة استشهاد مثيرة سببها العشق.. والشهيدة هى أختى الكبرى وصال.. قتلت نفسها بكل بساطة وشاعريه منقطعة النظير لأنها لم تستطع أن تتزوج حبيبها.. صورة  أختى وهى تموت من أجل الحب.. محفورة فى لحمى.. لازلت أذكر وجهها الملائكى، وقسماتها النورانية وابتسامتها الجميلة، وهى تموت.. كانت فى ميتتها أجمل من رابعة العدويه.. وأروع من كليوباترا المصرية.. وحين مشيت فى جنازة أختى، وأنا فى الخامسة عشرة كان الحب يمشى إلى جانبى ويشد على ذراعى ويبكى.. وحين زرعوا أختى فى التراب وعدنا فى اليوم التالى لنزورها لم نجد القبر. وإنما وجدنا مكانه وردة".

بهذه  الشاعرية  الدافئة.. وهذا الشجن النبيل وهذه الشفافية المرهفة.. يصف لنا نزار مشهد انتحار أخته الذى يطلق عليه (استشهاد) بدلا من (انتحار) ويستخدم كلمة (الزرع) بدلا من (الدفن) رجل صدمته هذه الحادثة.. وروعته سطوة الرجال على المرأة التى بلغت حد الانتحار لأخته التى تكبره.. لابد أن يشب ثائرا على تلك الأوضاع.. وينتزع حريته أولا حتى يستطيع أن يمنح كل نساء العرب حريتهن.. فتحرر هو أولا من كل محاذير اللغة وتقاليد الأدب العربى.. وممنوعات التناول الشعرى.. ولهذا نجح نزار فى ثورته على كل اللغات القديمة واستطاع أن يفلت من مخالب لغة القواميس الميتة.. ويقول نزار عن ثورته على اللغة القديمة:

"كانت لغة الشعر متعالية بيروقراطية.. بروتوكولية لا تصافح  الناس إلا بالقفازات، وكل ما فعلته أننى أقنعت الشعر أن يتخلى عن أرستقراطيته، ويلبس القمصان الضيقة المشجرة.. وينزل إلى الشارع ليلعب مع أولاد الحارة، ويضحك معهم ويبكى معهم.. وبكلمة واحدة رفعت الكلفة بينى وبين لغة (السان العرب) و(القاموس المحيط) وأقنعتها أن تجلس مع الناس فى المقاهى والحدائق العامة وتصادق الأطفال والتلاميذ والعمال والفلاحين وتقرأ الصحف اليومية.. حتى لاتنسى الكلام ".

ويرى نزار الحل فى الاعتماد على لغة ثالثة فيقول:

".. وكان الحل هو اعتماد لغة ثالثة تأخذ من اللغة الأكاديمية منطقها وحكمتها ورصانتها.. ومن اللغة العامية حرارتها وشجاعتها وفتوحاتها الجريئة.. وبهذه (اللغة الثالثة) نحن نكتب اليوم، وعلى هذه اللغة الثالثة يعتمد الشعر العربى الحديث فى التعبير عن نفسه دون أن يكون خارجا عن التاريخ ولاسجينا فى زنزانته ".

    إذن فنزار كان يدرك أن اللغة اداة اتصال جماهيرى.. لتوصيل أفكاره الملتهبة فى الحب والسياسة، ولهذا فهو يكتب قصائده فى شكل منشورات تحريضية ( التثوير )

     ورغم كل شئ فإن نزار قباني نتفق او نختلف معه فهو في النهاية شاعر عربي كبير عملاق بجماهيره الواسعة العريضة .. وبمحبيه وعشاقه الذين لا حصر لهم .. وهو شاعر عربي كبير بحجم عطائه وامتداد تجربته عبر خمسين عاما من الشعر .. وهو شاعر عربي مجدد لأنه استطاع أن يحفر لقصيدته طريقاً ومساراً مختلفا عمن سبقوه في الشكل والمضمون والصياغة.

مـحـمـد بـغـدادي

 

صفحة نزار

الصفحة الرئيسية